السيد عباس علي الموسوي
384
شرح نهج البلاغة
يستطع إدراك ما يريد منها ثم بات حزينا كئيبا بحيث انعكس ذلك على أسارير وجهه وعلى قسمات محياه فهذا قد أصبح بفعله ساخطا وغاضبا لما قضى به اللّه وقدره وأضحى عاصيا للهّ لأنه سبحانه قسّم الأرزاق وهو الذي أراد له ذلك فيعود حزنه إلى الإنكار على اللّه وهو انحراف وتمرد وسخط على إرادة اللّه واختياره . 2 - ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به فقد أصبح يشكو ربه : لأن المصيبة إذا لم تكن بيد العبد ومن سوء تصرفه كما لو مات له ولد أو والد بشكل طبيعي حتف الأنف - فإن الشكوى عندئذ تكون كمن يشكو ربه وهو انحراف لأن اللّه كتب على الإنسان الموت والفناء فلما ذا الشكاية وهل على اللّه تشتكي إنه ظلم وجور منك . 3 - ومن أتى غنيا فتواضع له لغناه ذهب ثلثا دينه : إذا كان الغني مؤمنا وتواضعت له لإيمانه ولم تزد في تواضعك له عن سائر المؤمنين فهذا لا بأس به أما إذا كان تواضعك له لماله وغناه فتحسبه عظيما فهذا انحراف عن الإيمان ويذهب بثلثي الدين على حد تعبير الإمام لأنه ليس للمؤمن أن يتعامل مع الناس بموازين المنحرفين والفاسقين فينحرف ويفسق ويذهب إيمانه إن لم يكن كله فثلثاه وقال بعضهم : أما تقديره بالثلثين فالأصل فيه أن الدين على ثلاثة أقسام : بالقلب واللسان والجوارح والتواضع يبنى على أمرين : اعتقاد في القلب ونية وعمل بالجوارح فيستعمل فيه آلتان من آلات الإيمان وهو القلب والجوارح فيذهب بها عن الآلتين ويبقى ثلثه وهو الإقرار باللسان ربما يعظمه بلسانه وأفعاله ولم يعظمه بقلبه فصرف في تعظيمه ركنين من أركان الإيمان . وقال آخر إن مراده بالثلثين استعارة يراد به أكثر دينه . 5 - ومن لهج قلبه بحب الدنيا التاط قلبه منها بثلاث هم لا يغبه وحرص لا يتركه وأمل لا يدركه : إذا تملكت الدنيا من قلب إنسان فعشقها وذاب بها وبما فيها أفرزت في قلبه ثلاثة أمراض مزمنة لا تفارقه حتى يفارق الحياة نفسها فهو في همّ دائم لا يفارقه ، همّ جمعها وحفظها وصيانتها وأيضا الحرص عليها يريدها من أي سبب كان من الحلال أو الحرام وثالثا ينفتح عنده باب الأمل الذي يسيء من خلاله العمل فيقطع الأرحام ويمنع الحقوق ويسيء الظنون في سبيل جمعها وحفظها والحصول عليها . . . 229 - وقال عليه السلام : كفى بالقناعة ملكا ، وبحسن الخلق نعيما ، وسئل عليه السلام عن قوله تعالى : فلَنَحُيْيِنَهَُّ حَياةً طَيِّبَةً فقال : هي القناعة .